السعيد شنوقة
244
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
وإنما فسره قائلا : « بمعنى ستعرفوه معرفة جلية هي في الجلاء كإبصارهم القمر إذا امتلأ واستوى » ثم قال : ( قال لن تراني ) : أي لن تطيق معرفتي على هذه الطريقة . ولن تحتمل قوتك تلك الآية المضطرة ولكن انظر إلى الجبل فإن أورد عليه وأظهر له آية من تلك الآيات فإن ثبت لتجليها واستقرّ مكانه ولم يتضعضع فسوف تثبت لها وتطيقها فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ [ الأعراف : 143 ] فلما ظهرت له آية من آيات قدرته وعظمته جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً [ الأعراف : 143 ] لعظم ما رأى فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك مما اقترحت وتجاسرت وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [ الأعراف : 143 ] بعظمتك وجلالك وإن شيئا لا يقوم لبطشك وبأسك » « 1 » . ولا يخفى ما في هذا من نفي رؤية الله عند المعتزلة . وقد جوّز السنّيون رؤية الله تعالى بالأبصار وحجتهم أن الرؤية أمر وجودي يتعلق بموجود إذ الشيء إنما يصح أن يرى من حيث كان موجودا وما كان أكمل وجودا كان أحق أن يرى ، فالله تعالى عندهم أحق أن يرى من كل ما سواه لكمال وجوده عما سواه « 2 » . ولما كان المعتزلة يقولون بالأجلين ، أوّل الزمخشري الآية : وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى [ إبراهيم : 10 ] إلى وقت سماه الله وبيّن مقداره يبلغكموه إن آمنتم وإلا عاجلكم بالهلاك قبل ذلك الوقت « 3 » . ويعتمد المصنف اللغة تمهيدا لإقرار أحد أصول مذهبه في أن الله تعالى لا يكلف العباد إلا في نطاق ما يستطيعون . قال عند الآية لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [ البقرة : 286 ] : « الوسع ما يسعه الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه . أي لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه ويتيسر له دون مدى الطاقة » « 4 » . وهو في قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [ النحل : 90 ] يعتمد على الطريقة اللغوية ليصل إلى مبتغاه الاعتزالي في أن ما أوجبه الله على العباد
--> ( 1 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 112 - ، 116 ج 4 ، ص 61 . ( 2 ) انظر الباقلاني ، كتاب التمهيد ، الباب الثالث والعشرون ، ص 266 وما بعدها . وكذا ابن القيم ، الجوزية ، مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة ، ص 171 - 172 - ( 3 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 369 . ( 4 ) م ن ، ج 1 ، ص ، 408 وانظر ابن المرتضى اليماني ( ت 840 ه ) ، إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد ، ص 325 .